السيد الخامنئي
123
مكارم الأخلاق ورذائلها
بدأ نوح عليه السّلام بصنع السفينة في اليابسة فكان ذلك سببا لسخريّة كلّ الذين كانوا يمرّون عليه ؛ لأنّ المفروض أن تصنع السفينة قريبا من ساحل البحر وليس في اليابسة التي كانت تفصلها مسافة بعيدة عن البحر ، إذ كيف يعقل أن تصنع سفينة كبيرة يراد لها أن تحمل جماعة من الناس بعيدا عن ساحل البحر ، قال تعالى : وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ « 1 » . ولكن المؤمنين بنوح عليه السّلام تحمّلوا كلّ هذا الاستهزاء والسخرية من غير أن يعرفوا الغاية التي من أجلها تصنع السفينة ، ولم يكن أحد يعرف ما سيحدث من طوفان وفوران الماء من الأرض والسماء . فهؤلاء المؤمنون كان إيمانهم من القوة بحيث استطاعوا الصمود أمام كلّ ذلك الاستهزاء والسخرية وضغط الرأي العام الذي كان يوجّهه المتسلّطون في ذلك المجتمع ، وكان أولئك المؤمنون من الطبقة السفلى في المجتمع كما أخبر تعالى على لسان أعدائه : هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ « 2 » ولعلّهم كانوا يعتبرون من مواطني الدرجة الثالثة أو الرابعة لذلك المجتمع . الآن أنتم تصوّروا فئة قليلة مستضعفة تقف مقابل فئة كبيرة تمتلك جميع وسائل القوّة والاقتدار من ثروة وقوّة ووسائل إعلام . كانت الإهانة والسخرية توجّه إلى هذه المجموعة الصغيرة المحيطة بالنبي نوح عليه السّلام ولكنّها كانت تصبر وتتحمل وكان هذا يتطلب إيمانا قويّا من الإنسان ، وعندما جاءت مسألة صنع السفينة تبيّنت قوّة إيمانهم أكثر من السابق فلم يأتوا إلى نبيّهم ويعترضوا عليه لأنّه يصنع السفينة في اليابسة بعيدا عن البحر وأصبح بذلك سببا للسخرية منهم بل تحمّلوا ذلك وصبروا عليه .
--> ( 1 ) سورة هود : 38 . ( 2 ) سورة هود : 27 .